Egyptian National - A Diary :: يوميات مواطن مصري

الاثنين، أكتوبر ١٦، ٢٠٠٦

باي باي مدرستنا.. للأبد

هدموا المدرسة لأقامة مول تجاري !!
"هدوا المدرسة"!!
صرختها زوجتي في وجهي وأنا بالباب حتى خيل لي للحظة أنهم أنما يهدون عمارتنا وأنها سوف تقع فوق رأسي!
قلت بعد أن أفقت من الصدمة محاولا أن أوحي لها بتماسكي وعدم أكتراثي بالأمر بعد أن ذهب فكري الى مدرسة أبنتنا وبالتالي قفز الى ذاكرتي شريط كئيب من الذكريات عند نقلها مما يهدد بأعادة سيناريو البحث عن مكان في مدرسة أخرى: أية مدرسة؟
قالت: التي خلفنا!
تنفست الصعداء ، فأذا كانت مدرسة أبنتي لا تزال بخير فكل المدارس بعد ذلك عندي سواء! لا يعنيني أيهم يهدمون ، ولا يهمني أن كان ذلك لأعادة بنائها على طريقة حديثة أوتوطئة لتوسعتها ، ف"العيال بتزيد"!
قلت لها وأنا أتهالك على أقرب كرسي : أيه؟ ناويين يوسعوا الفصول والا أيه؟ أنا اكره الفصول المترامية الأطراف لأن الجالسين في الخلف لا يسمعون شيئا ولا يرون ، كما أن المدرسين لا يعلمون عنهم شيئا ! أضف الى ذلك أن المدرسة ينبغي أن يكون فيها "حوش" للطابور و"الألعاب"!
مصمصت زوجتي شفتيها ساخرة من معتقداتي المدرسية التي عفا عليها الدهر ، ففي هذه الأيام "الحديثة" لم يعد هناك داعي للطابور والألعاب ولا الياضة من أصله فالأطفال صحتهم فل الفل رباني ، ربما من سوء التغذية ، والمدارس بالعافية بتحشر ستين أو سبعين "عيل" في الفصل الواحد .. وقالت: لا هذا ولا ذاك يازوجي العزيز ، لقد هدموا المدرسة ليبنوا "مول".
قلت لها مستفسرا عن الكلمة الأخيرة والتي ليست في معجمي: أيه؟
قالت: مول تجاري ، يعني مركز تجاري كبير ، ما أنت ماتعرفش يعني أيه مول لأنك مقاطع الأسواق.
قالتها في أشارة خبيثة الى محفظتي الخاوية من تاني أيام الشهر الكريم ، وبالمناسبة فكل أشهري كريمة ، ومحفظتي فيها نظيفة وزي الفل ورافعة لواء الأباء والعفة عن كل ما هو في من الأسواق من محلي ومستورد.
قلت محاولا الأستحواز على مقاليد الحديث: وماله ، طاب ما ده أحسن علشان البضايع الصيني الرخيصة تبقى جنبنا ونوفر الزنقة في الأوتوبيس أو الأنحشار في الميني باص لمشوار آخر.
قالت وقد أتعبها جهلي التجاري ويئست من تخلفي الشرائي: وهو المول برضه بيبيع البضايع الصيني الرخيصة؟ دي كلها بضايع مستوردة وبالشئ الفلاني.
أنتصبت قامتي وانا جالس مكاني وقد أنتفض داخلي الأسد العرمرم فقد لاحت لي الفرصة لكي ألقنها درسا قاسيا في أصول الأقتصاد قائلا: مستورد؟ وهو يعني الصيني مش مستورد وبالشئ الفلاني؟ مش كل الحاجات دي بندفع فيها عملة صعبة؟ ومش كنا أحنا أولى نطور صناعاتنا ونحسنها وتغنينا عن الأستيراد من الصين وكوريا بالعملة الصعبة وعن ال"مول" لأنها بضايع محلي وتنفع تتباع في الأسواق الشعبية لأنها بلدي. بس منهم لله اللي كل همهم أنهم يحولونا الي سوق يتاجروا فيه بدال ما يفتحوا مصانع ويوفروا فرص عمل و ..
صرخت زوجتي على الفور مقاطعة وقد ادركت بذكائها الشديدأنتهازي للفرصة لكي أبث على مسامعها وأشنف آذانها بأفكاري الأقتصادية الأشتراكية التقدمية القومية الوطنية المنقرضة: عارفين .. عارفين .. قلتها لنا ميت مرة! أحنا في مشكلة المدرسة اللي أتهدت..
قلت وقد أنهد حيلي ولم يعد لدي أي حول ولا قوة في الحديث: ما تتهد وأنا مالي؟ هو أنا السيد المحافظ اللى أعطي الأذن بهدم مدرسة لأقامة مول تجاري بدلا منها؟ وكمان أنا مش أحد أولياء الأمور لتلامذة المدرسة.. يعني لا ناقة لي ولا جمل في الموضوع.."ولا ليا في الطور ولا في الطحين"..
قاطعتني زوجتي قائلة: أزاي مالكش ناقة ولا جمل؟ أمال مين اللي له؟ مش هما لما يبنوا المول ها تكون حيطتهم لزق في حيطة عمارتنا وها ينسد علينا النور والهواء .. وكمان ال"فيو"...
ٌقلت وقد ادركت متأخرا عظم مأساتنا : هه.. صحيح ال"فيو" ها يروح ..
قلتها وأطرقت رأسي وسرحت في الدنيا: كم تراهم دفعوا من رشاوي لكي يستصدروا أمرا بهدم مدرسة وتشريد مئات التلاميذ وأقامة مول تجاري بدلا منها؟ كم من الفساد استشرى في مشارق مصر ومغاربها في عهد مبارك السعيد ، راعي الفساد والمفسدين؟ كيف فقدنا القيم والمثل .. كلها..
كانت زوجتي ما زالت تتحدث ولكنني لم أعي كثيرا مما قالت فقد سرحت بفكري في يوم أن تخرجت أبنتاي الكبيرتان من مدرستهم وأقامت لهم المدرسة حفل التخرج وكن يغنين: باي باي مدرستنا حبيبتنا..
لكن مدرستهم لازالت تؤدي رسالتها حين توقفت المدرسة المجاورة لنا عن أداء دورها ، وحين قال لها أبناؤها: باي باي مدرستنا حبيبتنا ..للأبد.. فقد أصبحت أثرا بعد عين وأندثرت ذكرياتهم!

الأربعاء، مايو ١٧، ٢٠٠٦

دروس..دروس

شاطئ ستانلي بالأسكندرية
لا تخلو حياة المصريين من الدروس الخصوصية ، ولقد أصبح التعليم هو هاجس الأسر الأول ، وخاصة الجامعي منه ، على الرغم من كثرة عدد الخريجين الجامعيين الذين يجلسون بلا عمل.
وقد تعالت صيحات العديد من المثقفين وأولياء الأمور بضرورة أصلاح نظام التعليم العقيم هذا دون جدوى. لقد أصبحت الثانوية العامة كابوسا معتادا يخيم عل حياة العديد من الأسر المصرية ، وما ينطوي عليه ذلك من تكريس حياة الأسرة وأخضاعها بالكامل لهذا المحتل الذي يجثم على صدر كل أسرة لعدة سنوات الى أن يجتاز حميع الأبناء هذه المرحلة. وفى تلكم الفترة تتوقف الزيارات الى ومن الأسرة ، وتسمع الأم دائما تقول لك: معلهش أحنا عندنا ثانوية عامة! غير أن الكارثة هي أن الأمر لم يعد يقتصر على الثانوية العامة. فقد أنتشرت الدروس الخصوصية في جميع الكليات أنتشار النار في الهشيم ولم يعد الأمر يقنصر علي الكتب والمذكرات الخاصة بأستاذ المادة أو بأحد أقسام الكلية كما كان في السابق.
ومن حق المرء والأوضاع الأقتصادية لدي جميع الأسر المصرية هي كما نعلم جيدا ،أن يتساءل: ما جدوى مثل نظام التعليم هذا؟ وما مدى أسهام مثل هذه السياسة التعليمية في تلبية أحتياجات الوطن من الكوادر المدربة والأنسجام مع خطط التنمية في كافة قطاعاته؟
مما لاشك فيه أن مثل هذا النظام التعليمي الأكاديمي العقيم هو من موروثات الحقبة السابقة والتي لم تعد تتلاءم مع أيقاع ومتطلبات العصر الذي نعيشه.
وللأسف فأن العديد من خريجي الجامعات عندنا يضطرون لأعادة تأهيلهم في مهن أخرى لا تمت لصلة بتعليمهم الأكاديمي. والمدهش هو أن نظام التعليم الذي لازلنا نسير عليه قد عفا عليه الزمن في المجتمعات الصناعية المتقدمة وحل محله نظام يضمن تواكب العملية التعليمية مع عملية أكتساب المهارات والتدريب المتخصص في مجال معين من أجل تقديم عمالة مدربة ومتعلمة في نفس الوقت لسد الأحتياجات بأقصر السبل. إير أن لسان حالنا يقول "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"!


 
counter